jeudi 9 août 2012

قارئ الكون "الشيخ محمد صديق المنشاوي"


الشيخ محمد صديق المنشاوي


القارئ الشيخ الجليل محمد صديق المنشاوي علم من أعلام الإسلام, وإمام من أئمة القراءة لآيات الكتاب العزيز, رزقه الله صوتا جميلا مؤثرا وقبولا حسنا متواصلا عند جماهير الأمة الإسلامية, أوصل كلمة الله بصوته المؤثر الخاشع إلى مشارق الأرض ومغاربها, فكان خير داعية إلى الله وكتابه ودينه على مستوى العالم, على بصيرة بهذا الكتاب وتجويد مخارجه الحروفية وتعظيم ما يحتويه من قوانين إلهية ومبادئ إنسانية عالمية.
ولد الشيخ الجليل محمد صديق المنشاوي في صعيد مصر, مركز "المنشأة" محافظة سوهاج سنة 1920م, ونشأ في بيت علم وفضل واهتمام بتلاوة القرآن الكريم وتدارسه. فوالده صديق السيد كان من القراء المجيدين, اشتهر في مصر وله تسجيلات بإذاعة سوريا ولندن ما زالت تبث حتى الآن. وعمه أحمد السيد كان أيضا قارئا مشهورا, رفض القراءة في القصر الملكي بسبب شرطه الذي أعجز الملك وهو أن يمنع المقاهي من تقديم المشروبات الكحولية أثناء إذاعة القرآن من القصر الملكي.

التحق الفتى محمد بكتـّاب القرية, وعمره أربع سنوات, ففاق زملاءه في سرعة الحفظ والاستيعاب, مما لفت إليه نظر معلمه, فأحاطه المعلم "أبو مسلم" بمزيد من الرعاية والاهتمام حتى أتم ختم القرآن الكريم وهو في سن الثامنة لم يتمها. لا نعرف كيف نشكر هذا المعلم؟ فقد ساهم في نمو جناح العندليب وتقوية صوته, حتى استطاع أن يرفرف بعيدا ويشنف أسماع العالم بتغريده وترديده, وله نصيب من أجر الشيخ كلما تراكمت إلى يوم القيامة.
انتقل الفتى إلى القاهرة ليتعلم علوم القرآن ونزل في ضيافة عمه, وعند بلغ الثانية عشرة درس علم القراءات على يد الشيخ محمد مسعود الذي أعجب به وأخذ يقدمه للناس في السهرات, حتى بلغ الخامسة عشرة فاستقل عن شيخه ووالده بعد ذيوع صيته في سوهاج وما حولها.
ظل يقرأ في المساجد والمحافل حتى اشتهر أمره وصار قارئا معتمدا لدى الإذاعة المحلية, حاملا لقب "مقرئ الجمهورية المصرية المتحدة" كما قدمه المذيع من مسجد لالا مصطفى باشا بدمشق الذي قرأ فيه أوائل سورة يوسف, هو مقرئ الجمهورية المصرية المتحدة في زمنه, ومقرئ مصر والعالم في كل زمن قادم.
تزوج من ابنة عمه في سنة 1938 وعمره ثمان عشرة, فأنجب منها ابنين وبنتين, ثم تزوج الثانية بعدما تجاوز الأربعين من مركز "أخميم" بسوهاج وأنجب منها تسعة أولاد, خمسة ذكور وأربع إناث. عاش مع زوجتيه في مسكن واحد يجمعهم الحب والمودة, ويتمنى الناس مصاهرته. توفيت زوجته الثانية أثناء تأديتهما فريضة الحج قبل وفاته بسنة واحدة.
كان الشيخ المنشاوي يجل أقرانه من حفظة كتاب الله تعالى, وتعلق قلبه وأذنه بالاستماع عبر الراديو إلى المقرئين في عصره جميعا دون استثناء, وفي طليعتهم الشيخ محمد رفعت رحمه الله, فقد أحبه كثيرا وتأثر بصوته وتلاواته وحضر بنفسه حفل العزاء ليواسي أسرة الشيخ ومحبيه بما تيسر من كتاب الرحمن.
كان لين الجانب عطوفا على المساكين متواضعا للناس لا يرفض دعوة يتلقاها لإسعاد المدعوين بالقراءة, بل يجدها فرصة لإبلاغهم كلمة ربه وهو راض سعيد. لبى دعوة رؤساء بعض الدول للقراءة في الخارج, كدعوة الرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو, التي لباها برفقة نظيره الشيخ عبدالباسط عبدالصمد, فبكى أثناء تلاوته لبكاء الجمهور المتواصل. وقد منحه سوكارنو وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى, وحصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية من سوريا.
لكنه في المقابل, رفض تلبية دعوة لافتتاح حفل يحضره الرئيس جمال عبدالناصر, لأن الرسول وكان وزيرا قال له: ألا يكون لك الشرف حين تقرأ بين يدي الرئيس..؟ فأجاب الشيخ: ولم لا يكون هذا الشرف لعبدالناصر نفسه أن يستمع إلى القرآن بصوت المنشاوي؟ ورفض أن يلبي الدعوة قائلا: "لقد أخطأ عبد الناصر حين أرسل إلي أسوأ رسله", وهكذا يعز كتاب الله تعالى أهله وحافظيه. لم تكرمه الحكومة المصرية, وإن كرمت والده بعد وفاته عام 1985م فمنحته وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية.
أصيب الشيخ رحمه الله بدوالي المريء منذ سنة 1966 فنصحه الأطباء بالراحة وعدم إجهاد حنجرته, إلا أنه استمر في القراءة بصوت جهوري, وظل مصطحبا كتاب ربه في أسفاره وإقامته حتى اختاره الرحيم لجواره الكريم, فالتحق به يوم 20/6/1969م, وعمره دون الخمسين. وبموته خسر العالم درة القراء وحنجرة من الجوهر بل خسروا الحنجرة السماوية.

ترك الشيخ وراءه ذرية صالحة, فكل أولاده يحفظون القرآن كاملاً, ورث منهم اثنان حلاوة صوته ونداوته, صلاح وعمر, درسا علوم القراءات وشهد لهما الكثير من المتخصصين بالبراعة والإتقان.

الشيخ محمد صديق مزمار من مزامير آل داود, أروع صوت في الأرض شفافية وحزنا, من مِن محبيه لا يتمنى أن يسمعه فرحانا في الجنة وحوله حور العين؟ كتبت فيه مقطوعة وجدانية أخرى, تقول أبياتها: "صوت شجي طروب/ يتدفق رويدا, رويدا/ من نهر في أعلى الجنة/ فيهتز الصخر في خشوع".

نعم, هو هكذا وأكثر, صوت شجي طروب متدفق من الفردوس يهز القلوب المتحجرة إذا أقبلت على تلاوته بنوافذ مفتوحة وروح طليقة أبية حرة. كان الشيخ رحمه الله دائم الصحبة لكتاب ربه, يتغذى روحه بالقرآن ويستشفي قلبه بآياته, ويستضيء دربه وجوانحه بنوره الذي يشع سكينة وطمأنينة.

لاحظت خلال استماعي الطويل أن الشيخ يبرع في التلاوة, غاية البراعة والخشوع, إذا كانت الآيات تتعلق بالقرآن نفسه تلاوة وتدبرا في كل وقت وبخاصة في التهجد, كغذاء للروح وشفاء للبدن, وكذا إذا تعلقت بأسماء الله الحسنى وتعظيم الله تعالى وتمجيده وتوحيده, ومنها ما يتعلق بقصة مريم والسيد المسيح, وقيل لي في ذلك إن الشيخ كان يُسر له بعض الحاضرين إذا كان فيهم أقباط بأن يقرأ آيات تتعلق بمريم والمسيح عليهما السلام, وقد أسلم بسبب تلاواته كثيرون, أخبرني بذلك طبيب مصري صعيدي من قرية مجاورة لقرية "منشأة" وليس هذا ببعيد لأنك تحس بإخلاص الشيخ في القراءة وفي ذهنه الدعوة إلى الله, تحس به يقرأ وأمام عينيه لوحة مكتوب فيها "إنما الأعمال بالنيات" وتحتها "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" فرحمة الله تعالى عليه وعلى والديه.

كذلك لاحظت تأثره وحزنه حين يتلو آيات تتعلق بالنساء, كما في سورة الطلاق وأواخر التحريم, قصة زوجة لوط وزوجة فرعون. وهذا يعني أن الشيخ رحمه الله تعالى كان يهتم بالمشاكل الاجتماعية للناس ويتأثر لأحوال المجتمع, ولو رأى اليوم ما ينشر في المدونات المصرية من امرأة "عايزة تتجوز" ومن رجل "عايز يجوز" وآخر "مش عايز" فضلا عن "أوقفوا التعذيب" وغيرها من المدونات لبلغ به التأثر منتهاه. إن القرآن ليرقق القلب لدرجة لا يتصورها من لم يعرفه ويعايشه.

مهما تحدثت عن الشيخ المنشاوي لا أوفيه حقه, فهو فنان أسطوري- إذا جاز التعبير- في التلاوة القرآنية, مرهف الإحساس جدا, بل لأقل رهيف الإحساس لأني أحس أن هذه الكلمة بمد الهاء فيها أقرب إلى وصف إحساسه المموج, وللشيخ ذوق فني رفيع, يتذوق عبره معاني الآيات ويتحسس وقع الكلمات وجرسها فيحاول إيصال جمالها بأقصى ما يمكن وأروع ما يكون.

إلى ذلك, له منهج خاص في الترتيل يختلف عن القراء الآخرين, فتلاوته المرتلة تنقسم إلى قسمين أحدها بطئ والآخر سريع, فإذا سئمت من البطيء أخذ بأذنك مسرعا بعد فترة قد تقصر وقد تطول. وإذا مللت من السريع ترفق بك وأبطأ سرعته, وهكذا دواليك. لا أدري هل الإذاعة هي التي اقترحت عليه ذلك أم هو رأي رآه وسار عليه؟ بينما غيره من المشايخ يقرؤون المرتل بنمط واحد قد يساعد المستمع على الاسترخاء وربما قد يسلمه للنوم أيضا.

ومن خصائص المنشاوي وذوقه الفني أنه يدرك متى يتوقف كي يحدث تأثيرا في جمهور السامعين, يتعمد أحيانا التوقف أثناء الآية من أجل هدف التأثير وكسر ما تعودت عليه الأسماع والعيون. له تلاوة لسورة التكوير مجودة نادرة يتوقف فيها عند نهاية هذا الجزء من الآية: "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك"؟ فيفاجأ المستمع بمحطة لم يألف التوقف عندها, لكنها تعطيه فرصة للتأمل في بداية الخلق بحيث يتهيأ بعدها لاستقبال عملية التسوية والتعديل لخلق الإنسان.

حتى عندما يتعب الشيخ فيقرأ الهوينى تستلذ صوته المتعب المبحوح, وإنني الآن أستمع إلى مثل هذه القراءة المتعبة, أو التي يقرؤها في فترة استراحة, من سورة يوسف, وهو يتلو: "قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف" متوقفا عند هذه الكلمة عمدا كما يبدو, حتى ليتساءل السامع: إذن ماذا يفعلون به بعد كل ما تقدم؟ وهذه تلاوة نادرة في مسجد لالا مصطفى باشا, لكن في تلاواته المجودة العادية, يحاول ألا يقرأ كذلك إلا في الربع الأخير من القرآن أو بعض السور من المفصل فيكثر منها. ولو كان الشيخ حيا لأشرت عليه أن يقرأ كذلك بلا حرج, لأن صوته جميل في كلتا الحالتين, نشيطا ومتعبا, بل قد يكون أكثر جمالا في حالة التعب, إذا كان الموضوع متعِبا أو حزينا, بل قد تشعر بقرب القارئ من نفسك أكثر وكأنه يفضفض لك مقتربا منك هامسا في أذنك. يبدو أن الموضة في تلك الأيام, وربما المنافسة مع الغير, جعلته يبتعد عن أخذ استراحة! والله أعلم.

ما سمعت الشيخ محمد يشدو بالآيات العظيمة إلا خشع له قلبي وسكنت جوارحي وارتقيت في الجنة درجات وغبت في النعيم وربما تهيبت الجحيم, ودعوت للشيخ ولأبيه ولأهله وذريته.

وإني, مع جمهور محبي الشيخ, ندين بالشكر الجزيل للفاضل خالد باغانم الذي أنتجت مؤسسته بجدة المصحف المجود الكامل للشيخ في أربعين شريط كاسيت, ففرحنا به كغيث ينهمر بعد طول جفاف واقتنيناه كتحفة لا تقدر بثمن, وإن كان هناك عدة ساعات ناقصة أكملها باغانم بالمرتل.

ومع روعة تلاوات الشيخ المرتلة, إلا أن هناك جمهورا عريضا من عشاقه مسحورون بتلاواته المجودة, ولاسيما التلاوات النادرة التي يندر أن يجود الزمان بمثلها, ومنها ما سجل له بمسجد لالا مصطفى باشا بدمشق والمسجد الأقصى ومساجد أخرى بالجزائر أو ليبيا وغيرها.

هل سمعت أوائل سورة يوسف التي سجلت بمسجد لالا مصطفى باشا؟ أو مقطع من سورة الإسراء, أو مقطع من سورة إبراهيم, أو أوائل الشعراء؟ فضلا عن قصار السور, ولاسيما سورة الفجر, وكذلك الفاتحة وأواخر البقرة وأواخر الحشر؟ هذه تلاوات جديرة بأن تهتم بالاستماع إليها, بالإضافة إلى مقاطع نادرة للشيخ الأواه عبدالباسط عبدالصمد وخصوصا مقطع من أواخر سورة الكهف بلغ فيه قمة القمم من حيث روعة التحليق واللطافة والخشوع, ولعلني أتناوله في تحية قادمة.

في حوار مع "الحاج سعودي محمد صديق" سئل: "لماذا لم يسجل الشيخ محمد صديق المنشاوي القرآن مجوداً للإذاعة؟" فأجاب بقوله: "لقد سجل الشيخ محمد صديق القرآن بصوته مجوداً للإذاعة ينقصه خمس ساعات تقريباًُ ولكن للأسف الشديد فإن المسئولين في الإذاعة لا يهتمون بتسجيلات المقرئين. وفي عام 1980م ذهبت للإذاعة ووجدت أن الشرائط المسجل عليها القرآن بصوت الشيخ محمد صديق تم تسجيل برامج أخرى عليها مثل ما يطلبه المستمعون أو خطاب الرئيس عبدالناصر وللأسف لم ننتبه لهذا الإهمال إلا عندما ذهبنا إلى الإذاعة لنحصل على نسخة من القرآن بصوته مجوداً.. أما فيما يتعلق بالقرآن المرتل فقد سجله للإذاعة كاملاً وحصلنا على نسخة منه".

فسبحان الله, كيف يسجلون برامج ما يطلبه المستمعون على تسجيلات شيخ القراء وسادتهم, كيف يمسحون تسجيلات لا تعوض بجرة قلم أسود!! إنه إهمال فظيع في حق الشيخ الذي أفنى عمره في خدمة القرآن. ماذا لو سجل أحدهم فوق أصل من أصول سيمفونيات بيتهوفن, في الغرب, أكانت الدنيا تقعد ولا تقوم؟! لكننا لا نقول سوى, حسبنا الله ونعم الوكيل

mercredi 8 août 2012

قارئ القصر الملكي الشيخ الفذ مصطفى إسماعيل


استجاب لنصيحة من محمد رفعت فلمع نجمه

تستشعر وأنت تستمع إلى الشيخ مصطفى إسماعيل أن الرجل لا يقرأ الآيات بل “يمضغ” الكلمات و”يفسر” المعاني و”يتدبر” دلالاتها الشرعية والإيمانية.. فيه قدر واسع من جمال الصوت، وحسن الوقف وروعة الأداء وجودة مخارج الحروف.

نشأ شيخنا محبا للقراءة، رغم ثراء والده، وتعلق بالكتاب وجو الريف المصري المحب لدينه.. والتحق بالإذاعة مبكرا، فبلغت شهرته الآفاق.. وسافر إلى معظم دول العالم يجالس الملوك ببركة القرآن ويجتذب قلوب العامة بحسن الترتيل..

ومع الشيخ مصطفى إسماعيل نتعرف الى بعض جوانب حياته المديدة مع القراءة والتلاوة..

المولد والنشأة



في ميت غزال بمحافظة الغربية، ولد الشيخ مصطفى إسماعيل يوم 17 يونيو/ حزيران سنة ،1905 في أسرة كان حظها جيدا من الثراء، حيث كان جده لوالده يمتلك مئات الأفدنة، وقد اشتهر بالسخاء والكرم فلما جاء الحفيد كان الذي تبقى من الثروة القديمة قد صار شيئا قليلا.. ومع ذلك بقيت هذه الأسرة كريمة.

تميزت قرية ميت غزال بكثرة الكتاتيب التي يحتشد فيها الراغبون في حفظ القرآن الكريم وتجويده، وكان يتخرج في تلك الكتاتيب كل عام حوالي 100 طالب يحفظون القرآن الكريم منهم من يتجه إلى الأزهر للعلم.

قضى الشيخ مصطفى طفولته بين والديه وكان أهل القرية وأسرته يمتهنون الزراعة، غير أن جده وجهه إلى الكتاب ليحفظ القرآن ويتعلم القراءة والكتابة وفن ترتيل القرآن الكريم.

وأول شيء لفت الطفل الشيخ “مصطفى” جمال أصوات الباعة في الموالد، حيث كان يتحسسهم ويمشي وراءهم يستمع إلى نبرات أصواتهم الندية حتى كان في أحيان يضل طريق العودة إلى منزل أسرته.

يقول الشيخ عن نفسه: “أنا بكر والدي، لي أخوة إناث وذكور، قضيت طفولة سعيدة بين أهلي وعشيرتي، كان يضمنا منزل كبير يتسع للعائلة كلها”.

ألحقه والده وهو في السادسة من عمره بكتاب القرية الذي يديره الشيخ عبد الرحمن أبو العينين، فمكث فيه عامين وتعلم القراءة والكتابة وحفظ ربع القرآن الكريم.. وبعد ذلك انتقل إلى كتاب الشيخ عبد الله شحاتة، وفيه أتم حفظ القرآن كاملا وقد تعلم نوعا من فنون التلاوة والترتيل.

أقبل الشيخ مصطفى على تلاوة القرآن الكريم وهو طفل لم يبلغ بعد العاشرة، حتى صار له شهرة في قريته، وحدث أن سمعته جدته وهو يرتل ففرحت به وأخبرت والده وقد استحلفته بالله أن يبذل ما في وسعه ليتم الطفل دراسة علوم القرآن وبالفعل تعهد الشيخ محمد أبو حيش الطفل الصغير.

طفل موهوب



عاش الشيخ مصطفى إسماعيل حياته الأولى وفق الظروف التي كانت سائدة آنذاك في بلدته، فكان يحفظ القرآن الكريم على ضوء لمبة جاز نمرة خمسة لا يكاد يرى بضوئها حروف المصحف الشريف.

كان يستيقظ في الصباح الباكر ليراجع ما حفظه ثم يذهب إلى “سيدنا” ويتلقى جزءا آخر ليتم حفظه، كما انتقل الشيخ مصطفى إلى دراسة علم القرآن على يد الشيخ إدريس فاخر حيث كان هذا الشيخ موضع احترام القرية كلها، وكان مفتشا على كتاتيب القرية.. فلما سمع صوت الشيخ مصطفى قال: هذا طفل موهوب يستحق الرعاية، وقرر أن يعلمه التجويد والقراءات.

أتم الشيخ مصطفى إسماعيل تلاوة وتجويد القرآن وقد حل على الأسرة شهر مضان عام ،1917 فطلب مكافأة من جده عبارة عن “طربوش وزعبوط ومركوب” والتحق الشيخ مصطفى بالمعهد الأزهري بطنطا وارتدى الزي الأزهري وأتم دراسته على إجازة شيخه قارئا وعالما.

لمع نجم الشيخ مصطفى إسماعيل وعلا صوته قبل أن يذهب إلى القاهرة، وقد سمع نصيحة الشيخ محمد رفعت الذي سمعه في سرادق عضو بمجلس الشيوخ يومها حيث قال له: ستكون لك يوما ما مكانة كبيرة في دولة التلاوة، لكن عليك أن تعيد القراءة مرة ثانية في الجامع الأحمدي لتتمكن من التجويد وتتقن أحكام التلاوة.

استجاب الشيخ مصطفى لهذه النصيحة الغالية من الشيخ محمد رفعت فازداد إتقانه وتجويده وإلمامه بفنون القراءة ولمع نجمه ليصل معظم محافظات مصر.

وفي سنة 1927 التي توفي فيها الزعيم سعد زغلول أقيمت الاحتفالات لتأبينه في جميع المحافظات، ودعي الشيخ لإحياء التأبين بمدينة دمياط، وفيها تعرف إلى زوجته التي كانت له نعم المعين وقد أنجبت له الذرية الصالحة.

في القصر الملكي



ارتحل الشيخ مصطفى إسماعيل في بداية الأربعينات إلى القاهرة ليطرق باب الشهرة وفي طريقه لمح لافتة كتب عليها “رابطة تضامن القراء” فدخلها لينضم إليها، وعندما هم بدفع رسم الاشتراك توقف أحد الشيوخ وسأله: “أنت مصطفى إسماعيل اللي بيحكوا عنك.. اقرأ لي” فقرأ وأجاد، ومن حسن الصدف أن يصطحبه الشيخ إلى القراءة في مسجد الحسين ويشاء القدر أن تنقل هذه القراءة على الهواء في الإذاعة المصرية مباشرة، وكان من المفترض ان يحيي تلك الليلة الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي الذي اعتذر لمرضه.

جاءت الفرصة مواتية للشيخ مصطفى إسماعيل فسمعه الملك فاروق الذي طلب من سكرتيره الخاص محمد بك سالم أن يدعو الشيخ مصطفى لإحياء ليالي رمضان في القصر الملكي.

وبدأت نجاحات الشيخ مصطفى تعلو وتزداد في سماء المقرئين فأصبح له مكانة وشعبية كبرى بين المصريين، بل امتد هذا النجاح إلى جماهير الأمة الإسلامية والعربية، حيث ارتفع صوته عبر الإذاعة المصرية يطرق أسماع المسلمين في كل أرجاء المعمورة.

ولكن طريق الشيخ مصطفى إسماعيل إلى القاهرة لم يكن مفروشا بالورد، فقد صادفته أيام عصيبة كادت ترجعه إلى قريته مرة ثانية كما أتى، فها هو يخطئ في أول تلاوة في إحدى ليالي القاهرة مع الشيخ محمد سلامة الذي كان يقرأ الليلة الكاملة، غير أنه لم ييأس وظل صابرا حتى جاءت الليلة الثانية، فصعد إلى المنصة وبدأ يقرأ فجذبت الآيات الأولى التي قرأها أسماع الحاضرين.. وكلما توغل الشيخ مصطفى ورفع صوته توافد إلى السرادق جمهور جديد حتى قال أحد الشيوخ الأزهريين وقد سمعه يومئذ: “هذا صوت جديد وأداء جديد ومقرئ جديد لا يقلد أحدا من سابقيه”.

وقد كان يحضر تلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل الشيخ درويش الحريري عالم المقامات الملحن المعروف آنذاك، والذي تتلمذ على يديه كبار مقرئي هذا العصر، ويقول الشيخ مصطفى عندما سئل عمن علمه المقامات: لقد التقطت اذناي كل ما سمعته طوال حياتي واستنبطت منه طريقتي في الأداء بالفطرة، حتى قال الشيخ الحريري عن هذه الفطرة إنها أقوى وأصح من كل الدراسات، ولا يمكن لأي معهد فني بأكمله أن يصل إلى ما وصلت إليه فطرتك التي وهبها الله لك.

حفاوة ودموع



بدأت الدعوات تنهال على الشيخ مصطفى بدءا من وزارة الأوقاف المصرية ليتلو في الاحتفالات التي تقيمها الوزارة، ثم من البلاد العربية والأجنبية.

وقد سافر الشيخ مصطفى إلى لبنان لإحياء ليالي رمضان في عام 1965 بناء على دعوة من رئيس وزرائه، ويومها منح وسام الأرز، الذي يعد أرفع وسام تمنحه دولة لبنان للشخصيات البارزة، وفي العام ذاته منح أول وسام يناله قارئ في مصر في “عيد المعلم” وتسلمه معه في ذلك الوقت الدكتور طه حسين، ثم سافر إلى تركيا عام 1973 وهناك استقبله الشعب التركي بحفاوة كبيرة، ودعاه الرئيس التركي لمقابلته في القصر الجمهوري بأنقرة وجلس إليه ومعه وزير الثقافة التركي وفي نهاية الزيارة أهداه الرئيس التركي مصحفا مكتوبا بماء الذهب.. وفي عام 1977 استدعاه الرئيس أنور السادات ليصحبه معه في الزيارة التي قام بها إلى القدس.. ولم يكن الشيخ قد زار القدس من قبل.. فزار المسجد الأقصى وقرأ به القرآن الكريم.. حتى إنه لما شاهد منظر المسجد الأقصى فاضت عيناه بالدموع.. وبكى معه المشايخ الفلسطينيون، وقرأ الشيخ في المسجد الأقصى عبر الأقمار الصناعية وصوته يصدح بكتاب الله في الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين.

كما سافر الشيخ مصطفى إسماعيل إلى سوريا لتلاوة القرآن الكريم، وكانت الدعوة من أحد الأغنياء السوريين، فأحيا الليالي هناك ومن شدة إعجاب السوريين به كانوا يطلبون منه الرقية تبركا بالقرآن الكريم.

ومع هذا الصوت الملائكي الذي له القدرة الفائقة على الإبحار في أنغام القرآن الكريم وموسيقاه، لم يسع إلى الشهرة، بل إنها سعت إليه.. فقد طاف بلدان العالم لينفخ الله بصوته قلوبا صدئت عن ذكر الله فقرأ القرآن في كوالالمبور وكراتشي ودول آسيا والدول العربية والافريقية والتي بها جاليات إسلامية.

وقد سئل ذات يوم: هل يلحن القرآن الكريم موسيقياً؟ فقال: في رأيي ألا يلحن القرآن، فقراءته تكفي طربا، وحرام أن تصاحبه موسيقا، لأن القرآن ملحن جاهز، ولكن بلا موسيقا. قال هذا الكلام استنادا لعلمه وبحوثه في مجال القراءات.

رحل الشيخ مصطفى إسماعيل وعمره 73 سنة بعد جهد طويل في خدمة القرآن الكريم، رحل الصوت الذي عانق عنان السماء.. باستخدامه مقامات الموسيقا العربية وبراعة إعجازه، وسكت صوته في ديسمبر/ كانون الأول 1978. رحمة الله عليه.

منقول من جريدة الخليج
الإمارات
11-11-2004

samedi 4 août 2012

أول صادح بالقرآن

عبدالله بن مسعود
أول صادح بالقرآن
اسلامه رضي الله عنه
قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، كان عبدالله بن مسعود قد آمن به، وأصبح سادس ستة أسلموا واتبعوا الرسول، عليه وعليهم الصلاة والسلام..هو إذن من الأوائل المبكرين و هو من أولئك الذين بشروا وهم على ظهر الأرض برضوان الله وجنّته
ولقد تحدث عن أول لقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كنت غلاما يافعا، أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوبكر فقالا: يا غلام،هل عندك من لبن تسقينا؟
فقلت: إني مؤتمن، ولست ساقيكما
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هل عندك من شاة حائل، لم ينز عليها الفحل ؟
قلت: نعم
فأتيتهما بها، فاعتقلها النبي ومسح الضرع ثم اتاه أبو بكر بصخرة متقعرة، فاحتلب فيها، فشرب أبو بكر ثم شربت ثم قال للضرع: اقلص، فقلص.. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد لك، فقلت: علمني من هذا القول
فقال: انك غلام مُعَلَّم
لقد انبهر عبدالله بن مسعود حين رأى عبد الله الصالح ورسوله الأمين يدعو ربه، ويمسح ضرعاً لا عهد له باللبن بعد، فهذا هو يعطي من خير الله ورزقه لبناً خالصاً سائغاً للشاربين
وصفه رضي الله عنه
هذا هو الرجل الذي كان جسمه في حجم العصفور نحيف، قصير، يكاد الجالس يوازيه طولا وهو قائم له ساقان ناحلتان دقيقتان.. صعد بهما يوما أعلى شجرة يجتني منها أراكاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أصحاب النبي دقتهما فضحكوا، فقال عليه الصلاة والسلام : تضحكون من ساقيْ ابن مسعود، لهما أثقل في الميزان عند الله من جبل أحد
أول صادح بالقرآن
و يذهب عبد الله وهو الذي لم يكن يجرؤ أن يمر بمجلس فيه أحد أشراف مكة إلا مطرق الرأس حثيث الخطى..نقول: يذهب بعد إسلامه الى مجمع الأشراف عند الكعبة، وكل سادات قريش وزعمائها هنالك جالسون فيقف على رؤوسهم ويرفع صوته الحلو المثير بقرآن الله الرَّحْمَنُ {1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ {4} الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ {5} وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ - الرحمن اية 1 الى 6
ثم يواصل قراءته وزعماء قريش مشدوهون، لا يصدقون أعينهم التي ترى.. ولا آذانهم التي تسمع.. ولا يتصورون أن هذا الذي يتحدى بأسهم.. وكبريائهم..انما هو أجير واحد منهم، وراعي غنم لشريف من شرفائهم.. عبدالله بن مسعود الفقير المغمور ولندع شاهد عيان يصف لنا ذلك المشهد المثير..انه الزبير رضي الله عنه يقول: كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، اذ اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش مثل هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟
فقال عبدالله بن مسعود: أنا
قالوا: ان نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرته يمنعونه من القوم ان أرادوه
قال: دعوني، فان الله سيمنعني
فغدا ابن مسعود حتى اتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، فقام عند المقام ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم _رافعا صوته_ الرَّحْمَنُ {1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، ثم استقبلهم يقرؤها
فتأملوه قائلين: ما يقول ابن ام عبد..؟؟ انه ليتلو بعض ما جاء به محمد
فقاموا اليه وجعلوا يضربون وجهه، وهو ماض في قراءته حتى بلغ منها ما شا الله أن يبلغ ثم عاد الى أصحابه مصابا في وجهه وجسده، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك
فقال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدا
قالوا: حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون
فضائله رضي الله عنه
ولقد صدقت فيه نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام يوم قال له: " انك غلام معلّم" فقد علمه ربه، حتى صار فقيه الأمة، وعميد حفظة القرآن جميعاً يقول على نفسه: أخذت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، لا ينازعني فيها أحد ولكأنما أراد الله مثوبته حين خاطر بحياته في سبيل ان يجهر بالقرآن ويذيعه في كل مكان بمكة أثناء سنوات الاضطهاد والعذاب فأعطاه سبحانه موهبة الأداء الرائع في تلاوته، والفهم السديد في ادراك معانيه
ولقد كان رسول الله يوصي أصحابه أن يقتدوا بابن مسعود فيقول: تمسّكوا بعهد ابن أم عبد ويوصيهم بأن يحاكوا قراءته،ويتعلموا منه كيف يتلو القرآن يقول عليه السلام: من أحب أن يسمع القرآن غضاٌ كما أنزل فليسمعه من ابن أم عبد من أحب أن يقرأ القرآن غصا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد
ولطالما كان يطيب لرسول الله عليه السلام أن يستمع للقرآن من فم ابن مسعود..دعاه يوما الرسول، وقال له: اقرأ عليّ يا عبد الله قال عبد الله: أقرأ عليك، وعليك أنزل يا رسول الله ؟ فقال له الرسول: إني أحب أن أسمعه من غيري فأخذ ابن مسعود يقرأ من سورة النساء حتى وصل الى قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً فغلب البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاضت عيناه بالدموع، وأشار بيده الى ابن مسعود أن حسبك.. حسبك يا ابن مسعود
وتحدث هو بنعمة الله فقال: والله ما نزل من القرآن شيء الا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا تمتطى اليه الإبل أعلم مني بكتاب الله لأتيته وما أنا بخيركم
ولقد شهد له بهذا السبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: لقد ملئ فقهاً
وقال أبو موسى الأشعري : لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم
ولم يكن سبقه في القرآن والفقه موضع الثناء فحسب.. بل كان كذلك أيضا سبقه في الورع والتقى يقول عنه حذيفة : ما رأيت أحداً أشبه برسول الله في هديه، ودلّه، وسمته من ابن مسعود ولقد علم المحظوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن ام عبد لأقربهم الى الله زلفى
واجتمع نفر من الصحابة يوماً عند علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه فقالوا له : يا أمير المؤمنين، ما رأينا رجلاً كان أحسن خلقاً ولا أرفق تعليماً، ولا أحسن مجالسةً، ولا أشد ورعاً من عبدالله بن مسعود
قال علي : نشدتكم الله، أهو صدق من قلوبكم ؟
قالوا : نعم
قال : اللهم اني أشهدك.. اللهم اني أقول مثل ما قالوا أو أفضل لقد قرأ القرآن فأحلّ حلاله، وحرّم حرامه..فقيه في الدين، عالم بالسنة
وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يتحدثون عن عبدالله بن مسعود فيقولون : ان كان ليؤذن له إذا حججنا، ويشهد إذا غبنا
وهم يريدون بهذا، أن عبد الله رضي الله عنه كان يظفر من الرسول صلى الله عليه وسلم بفرص لم يظفر بها سواه، فيدخل عليه بيته أكثر مما يدخل غيره ويجالسه أكثر مما يجالس سواه وكان دون غيره من الصّحب موضع سرّه ونجواه، حتى كان يلقب بـ صاحب السواد أي صاحب السر
يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : لقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام، وما أرى إلا إبن مسعود من أهله ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبّه حباً عظيماً، وكان يحب فيه ورعه وفطنته، وعظمة نفسه حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه : لو كنت مؤمّراً أحداً دون شورى المسلمين، لأمّرت ابن أم عبد
وهذا الحب، وهذه الثقة أهلاه لأن يكون شديد القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطي ما لم يعط أحد غيره حين قال له الرسول عليه الصلاة والسلام : إذنُك عليّ أن ترفع الحجاب فكان هذا إيذانا بحقه في أن يطرق باب الرسول عليه أفضل السلام في أي وقت يشاء من ليل أو نهار وهكذا قال عنه أصحابه : كان يؤذن له اذا حججنا، ويشهد اذا غبنا
أدبه مع رسول الله صلى الله عليه و سلم
ولقد كان ابن مسعود أهلا لهذه المزيّة.. فعلى الرغم من أن الخلطة الدانية على هذا النحو، من شأنها أن ترفع الكلفة، فان ابن مسعود لم يزدد بها إلا خشوعاً، واجلالاً، وأدباً..ولعل خير ما يصوّر هذا الخلق عنده، مظهره حين كان يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فعلى الرغم من ندرة تحدثه عن الرسول عليه السلام، نجده اذا حرّك شفتيه ليقول: سمعت رسول الله يحدث ويقول: سمعت رسول الله يحدث ويقول... تأخذه الرّعدة الشديدة ويبدو عليه الاضطراب والقلق، خشية أن ينسى فيضع حرفا مكان حرف
ولنستمع لإخوانه يصفون هذه الظاهرة يقول عمرو بن ميمون : اختلفت الى عبدالله بن مسعود سنة، ما سمعه يتحدث فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الا أنه حدّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه: قال رسول الله، فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدّر عن جبهته، ثم قال مستدركا قريبا من هذا قال الرسول
ويقول علقمة بن قيس : كان عبدالله بن مسعود يقوم عشيّة كل خميس متحدثا، فما سمعته في عشية منها يقول: قال رسول الله غير مرة واحدة.. فنظرت اليه وهو معتمد على عصا، فاذا عصاه ترتجف، وتتزعزع
ويحدثنا مسروق عن عبدالله : حدّث ابن مسعود يوما حديثا فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرعد وأرعدت ثيابه.. ثم قال:أو نحو ذا.. أو شبه ذا
الى هذا المدى العظيم بلغ اجلاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ توقيره اياه، وهذه أمارة فطنته قبل أن تكون امارة تقاه
لم يكن يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، ولا في حضر.. ولقد شهد المشاهد كلها جميعها.. فهاجر الهجرتين الى الحبشة و الى المدينة و صلى القبلتين وكان له يوم بدر شأن مذكور مع أبي جهل الذي حصدته سيوف المسلمين في ذلك اليوم الجليل..كما شهد أحد و الخندق و بيعة الرضوان و سائر المشاهد مع الرسول صلى الله عليه و سلم كما شهد اليرموك بعد النبي صلى الله عليه و سلم وعرف خلفاء الرسول وأصحابه له قدره.. فولاه أمير المؤمنين عمر على بيت المال في الكوفة. وقال لأهلها حين أرسله اليهم : اني والله الذي لا اله الا هو، قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا ولقد أحبه أهل الكوفة حباً جماً لم يظفر بمثله أحد قبله، ولا أحد مثله
رفضه رضي الله عنه إثارة الفتن
ولقد بلغ من حب أهل الكوفة إياه أن أطاحوا به حين أراد الخليفة عثمان رضي الله عنه عزله عن الكوفة وقالوا له : أقم معنا ولا تخرج، ونحن نمنعك أن يصل اليك شيء تكرهه منه ولكن ابن مسعود أجابهم بكلمات تصوّر عظمة نفسه وتقاه، اذ قال لهم: ان له عليّ الطاعة، وانها ستكون أمور وفتن، ولا أحب أن يكون أول من يفتح أبوابها
ان هذا الموقف الجليل الورع يصلنا بموقف ابن مسعود من الخليفةعثمان.. فلقد حدث بينهما حوار وخلاف تفاقما حتى حجب عن عبدالله راتبه ومعاشه من بيت الامل، ومع ذلك لم يقل في عثمان رضي الله عنه كلمة سوء واحدة بل وقف موقف المدافع والمحذر حين رأى التذمّر في عهد عثمان يتحوّل الى ثورة.. وحين ترامى الى مسمعه محاولات اغتيال عثمان، قال كلمته المأثورة : لئن قتلوه، لا يستخلفون بعده مثله ويقول بعض أصحاب ابن مسعود : ما سمعت ابن مسعود يقول في عثمان سبّة قط
حكمته رضي الله عنه
ولقد آتاه الله الحكمة مثلما أعطاه التقوى وكان يملك القدرة على رؤية الأعماق، والتعبير عنها في أناقة وسداد
لنستمع له مثلا وهو يلخص حياة عمر العظيمة في تركيز باهر فيقول : كان اسلامه فتحا..وكانت هجرته نصراً..وكانت امارته رحمة
ويتحدث عما نسميه اليوم نسبية الزمان فيقول : ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار..نور السموات والأرض من نور وجهه
ويتحدث عن العمل وأهميته في رفع المستوى الأدبي لصاحبه، فيقول : اني لأمقت الرجل، اذ أراه فارغاً..ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة
ومن كلماته الجامعة : خير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى، وشر العمى عمى القلب، وأعظم الخطايا الكذب، وشرّ المكاسب الربا، وشرّ المأكل مال اليتيم، ومن يعف الله عنه، ومن يغفر الله له
شهادة رسول الله صلى الله عليه و سلم بالإيمان و العمل الصالح
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآيه لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : قيل لي أنت منهم
أمنيته رضي الله عنه
ولنصغ اليه يحدثنا بكلماته عنها : قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فأتبعتها أنظر اليها، فاذا رسول الله، وأبوبكر وعمر، واذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات واذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه اليه، والرسول يقول: ادنيا اليّ أخاكما.. فدلياه اليه، فلما هيأه للحده قال: اللهم اني أمسيت عنه راضيا فارض عنه.. فيا ليتني كنت صاحب هذه الحفرة
تلك أمنيته الوحيد التي كان يرجوها في دنياه وهي لا تمت بسبب الى ما يتهافت الناس عليه من مجد وثراء، ومنصب وجاه.. ذلك أنها أمنية رجل كبير القلب، عظيم النفس، وثيق اليقين.. رجل هداه الله، وربّاه الرسول، وقاده القرآن
وفاته رضي الله عنه
توفي رضي الله عنه بالمدينة سنة اثنتين و ثلاثين و دفن بالبقيعة وصلى عليه عثمان و قيل صلى عليه عمار بن ياسر و قيل الزبير بن العوام و دفنه ليلاً وقيل لم يعلم عثمان رضي الله عنه بدفنه فعاتب الزبير على ذلك و كان عمره بضعاً و ستين سنة و قيل بل توفي سنة ثلاث و ثلاثين و لما مات ابن مسعود نٌعي الى أبي الدرداء فقال : ما ترك بعده مثله

رضي الله تعالى عنه وارضاه

نبذة عن حياة الشيخ المبتهل والقارئ الفذ محمد عمران رحمه الله



الشيخ محمد أحمد عمران :
ولد في مدينة طهطا محافظة السوهاج في 15/10/1944م و بعد عام واحد كف بصره.
ـ أتم حفظ القرآن الكريم في سن العاشرة على يد الشيخ محمد عبد الرحمن المصري ثم جوده على يد الشيخ محمود جنوط في مدينة طما.
ـ عند بلوغه أحد عشر عاما سافر إلى القاهرة والتحق بمعهد المكفوفين للموسيقى حيث تعلم أصول القراءات والإنشاد وعلم النغم والمقامات الموسيقية وفن الإنشاد على يد الشيخ سيد موسى الكبير.
ـ ولما كانت للحياة مسؤوليات لا بد منها ، عمل الشيخ عمران رحمه الله تعالى بشركة حلوان للمسبوكات قارئا في مسجد الشركة.
ـ حينئذ بدأ اسمه بالشيوع وذاع صيته فتقدم لاختبار الإذاعة المصرية وتم اعتماده مبتهلا بعد نجاحه المتفوق والمتميز في امتحان الأداء.
ـ سجل في الإذاعة عددا كبيرا من الأناشيد والابتهالات منها أسماء الله الحسنى وابتهالات أخرى عديدة.
ـ يتميز الشيخ محمد عمران إضافة إلى صوته الرائع والإحكام بأداء متفرد يستطيع من خلاله التعبير عن معنى الآية.
ـ كان رحمه الله مثلا أعلى لكثير من قراء اليوم وحتى من المشهورين،كما كان مرجعا لكبار الموسيقيين وذلك لشدة اتقانه وإحكامه لفنون المقامات والنغمات ولكن في حدود المباحات.
ـ عرف عن الشيخ محمد عمران أنه كان يبدع في تلاوته في الحفلات الخاصة أكثر من الإذاعة، إذ أن الوقت يحكمه في استوديوهات الإذاعة.
ـ كان من أوائل الذين أحيوا الأفراح بقراءة القرآن والابتهالات.
ـ له رحمه الله تعالى ثلاثة أولاد أكبرهم محمود.كان يكره السفر كثيرا حيث لم يذكر أنه سافر خارج مصر إلا لأداء فريضة الحج و العمرة رغم أنه تلقى عددا هائلا من الدعوات.
ـ توفى رحمه الله تعالى يوم 6/10/1994م، أي قبل أن يتم الخمسين عاما بأسبوع، والمضحك المبكي أن قرار 

 اعتماده قارئا في الإذاعة وصل إلى منزله بعد الوفاة بعشرين يوم.
                                                  

mercredi 6 juin 2012

جواهــــر الكــــــلام




رفعة الإنسان بعلمه وتقواه

مايخفض المرءَ عُدمه ويُتمه, إذا رفعه دينه وعلمه, ولا يرفعه ماله وأهله,إذا خفضه فجوره وجهله,العلم هو الأب,بل هو للثأي أرأب, والتقوى هي الأم بل هي إلى اللبان أضم, فأحرز نفسك في حرزهما, واشدد يديك بعزهما,يسقك الله نعمة صيبة,ويحيك حياة طيبة.


الحياة ساعة

عُمر ينقضي مر الإعصار, وأنت ترجوه مدى الأعصار,ضلة لرأيك الفائل, في ظلك الزائل,ماهو إلابياض نهارك فتغنمه وسواد ليلك فلا تنمه, واتبع من ضرب أكباد المطي, حتى أناخ بكنف وطِي


ارفع إزارك واترك الخيلاء

قد في مثل الأسطوانة, وأنف مُلئ من الخُنزوانة, وعِطف ميال, وقميص ذيال, وشخص لايشعر أجر الإزار, من الأجور أم من الأوزار, وإن من أعظم الحوب فضل الذيل المسحوب, يا أرعن, ومثلك ألعن, قل لي ويلك: كم تلحف البطحاءَ ذيلك, وعي عما قليل تلحفكَ حَصباؤها, وتقذف عليك أعباءها, وتثقلك فوق ما أثقلتها, وتحملك أضعاف ماحملتها.




تدبر في آيات الله

الشهم الحذر, بعيد مطارح الفِكَر, غريب مسارح النظر, لا يرقد ولا يكرى, إلا وهو يقظان الذكرى,يستنبط العظة من اللمح الخفي, ويستجلب العبرة من الطرف القصي, فإذا نظرت إلى بنات نعش فاستجلب عِبرتك. وإذا رأيت بني نعش فاستحلب عَبرتك, واعلم أن من الجوائز أن تروح غدا على الجنائز.


عليك بمكارم الأخلاق

المروءة خليقة, برضا الله خليقة, والسخاء سجية بحسن الذكر حجية, ولم أر كالدناءة, أحق بالشناءة, ولايصلح للإخاء, إلا أهل السخاء, بهم يداوى القلب المريض, ويُجبر العظم المهيض,وهم يُريحون عليك النعم إذا عزبت,ويُزيحون عنك النقم إذا حزبت.


اترك الباطل

خل عن يدك الباطل واللدد واعتنق الكرم والزم الجِد والجَدد. إن الله تعالى خلقك حدا لا عبثا, وفطرك إبريزا لاخبثا, لولا أن نفسك بكسبها الخبيث خبثتك وبلطخ عملها السيئ لوثتك, فأرخيت عنانك فيما أنت عنه مزجور, وتوليت بركنك عما أنت عليه مأجور, إلقاءً بيدك إلى التهلكة, وإضاعة لحظك في عظيم المهلكة.


اجتنب المعاصي

من استوحش المنكرات , استأنس عند السكرات, يتلقاه المليك بالملائك, مبشرين بالنضرة والنظر إلى الأرائك, وطوبى لمن سره المعروف فاهتز, وساءه المنكر فاشمأز, وقام بأمر الله في إهانة الأشرار وعصب سلمتهم, وفي إعانة الأبرار ونصب كلمتهم.

فوائد في علم تفسير القرآن



فوائد في علم تفسير القرآن

: *وردت لفظة (إمام) في القرآن ولها أربعة معان

(( يوم ندعو كل أناس بإمامهم))[ الإسراء: 71]

بمعنيين "كتاب" أو جمع "أم"

((واجعلنا للمتقين إماما)) [الفرقان: 74]

بمعنى "قدوة "

((وإنهما لبإمام مبين))[ الحجر: 79]

بمعنى "الطريق"

:*وردت لفظة (محصنات) في القرءان وتحتمل أربعة معان 

الإسلام ((فإذا أحصن))[ النساء: 25]

((ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات))[ النساء:25 ]

بمعنى الحرائر

((محصنات غير مسافحات))[ النساء:25]

أي عفيفات

((والمحصنات من النساء))[ النساء: 24]

بمعنى المتزوجات

*ورد لفظ (البعد) في القرءان في [سورة التوبة:42] ((بعُدت عليهم الشقة))

بمعنى البعد وذكرت في[ سورة هود: 95]

((ألا بُعدا لمدين كما بَعِدت ثمود)) بمعنى الهلاك

*عز يعِز بكسر عين المضارع بمعنى امتنع: ومنه اسم الله العزيز

*عز يعُز بضـم الــعين بمعنى القهر والغلـبة: ومنه اسم الله العزيز

*عز يعَز بفتح العين بمعنى القوة والصلابة: ومنه اسم الله العزيز

قال الإمام ابن قيم الجوزيـــة-رحمه الله- في النونية:

وهو العزيــــــز لا يرام جنـــــــابــه                   
وأنى يرام جناب ذي السلطــــــــان
وهو العزيـــــــز القـــــاهر الغلاب لم                 
يـــغلبه شــــــــيء هذه صــــفتان
وهو العزيـــــــز بقوة هي وصــــفــه                   
فالعــــــز حــينئذ ثلاث معــــــان

*أعظم آية في سورة آل عمران إشكالا..ًً قوله تعالى:{ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ماأوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم.قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليم}
[آل عمران:73]
وقد فتح الله على مفسريها بالرغم أنها صعبة لغويا وبيانيا

وقد قيل: إن هذه الآية أعظم آي هذه السورة إشكالا وذلك صحيح(فتح القدير للشوكاني 1/312)
وفي( تفسير الألوسي 3/201) قال الواحدي: إن هذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه تفسيرا.
وقال الرازي في تفسيره( 7/96) : واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة

وقال القرطبي(4 /112): وهذه الآية أشكل مافي السورة

من تفسير ابن كثير(2/59)
وقوله : { وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ } أي : لا تطمئنوا وتظهروا سركم وما عندكم إلا لمن اتبع دينكم ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين ، فيؤمنوا به ويحتجوا  به عليكم ؛ قال الله تعالى : { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ }
أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان ، بما ينزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات ، والدلائل القاطعات ، والحجج الواضحات ، وَإنْ كتمتم  - أيها اليهود - ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.
وقوله { أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ } يقولون : لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين ، فيتعلموه منكم ، ويساووكم فيه ، ويمتازوا  به عليكم لشدة الإيمان  به ، أو يحاجوكم  به عند الله ، أي : يتخذوه حجة عليكم مما بأيديكم ، فتقوم  به عليكم الدلالة وتَتَركَّب الحجةُ في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى : { قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } أي : الأمورُ كلها تحت تصريفه ، وهو المعطي المانع ، يَمُنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام ، ويضل من يشاء ويُعمي بصره وبصيرته ، ويختم على سمعه وقلبه ، ويجعل على بصره غشاوة ، وله الحجة والحكمة.
{ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } أي : اختصكم - أيها المؤمنون - من الفضل بما لا يُحَد ولا يُوصَف ، بما شرف به نبيكم محمدًا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء وهداكم به لأحمد الشرائع.

ومن جميل تفسيراتها وأوضحها بيانا ماذكره سيد قطب رحمه الله في كتابه (في ظلال القرآن1/416/417)

«وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ» ..

وهنا يوجه اللّه نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يعلن أن الهدى هو وحده هدى اللّه وأن من لا يفيء إليه لن يجد الهدى أبدا في أي منهج ولا في أي طريق :

«قُلْ : إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ» ..

ويجيء هذا التقرير ردا على مقالتهم : «آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» تحذيرا للمسلمين من تحقيق الهدف اللئيم. فهو الخروج من هدى اللّه كله. فلا هدى إلا هداه وحده.
وإنما هو الضلال والكفر ما يريده بهم هؤلاء الماكرون.
يجيء هذا التقرير قبل أن ينتهي السياق من عرض مقولة أهل الكتاب كلها .. ثم يمضي يعرض بقية تآمرهم بعد هذا التقرير المعترض :

«أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ، أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ» ..

بهذا يعللون قولهم : «وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ» .. فهو الحقد والحسد والنقمة أن يؤتي اللّه أحدا من النبوة والكتاب ما آتى أهل الكتاب. وهو الخوف أن يكون في الاطمئنان للمسلمين واطلاعهم على الحقيقة التي يعرفها أهل الكتاب ، ثم ينكرونها ، عن هذا الدين ، ما يتخذه المسلمون حجة عليهم عند اللّه! - كأن اللّه سبحانه لا يأخذهم بحجة إلا حجة القول المسموع! - وهي مشاعر لا تصدر عن تصور إيماني باللّه وصفاته ولا عن معرفة بحقيقة الرسالات والنبوات ، وتكاليف الإيمان والاعتقاد! ويوجه اللّه سبحانه رسوله الكريم ليعلمهم - ويعلم الجماعة المسلمة - حقيقة فضل اللّه حين يشاء أن يمن على أمة برسالة وبرسول :
«قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» ..
وقد شاءت إرادته أن يجعل الرسالة والكتاب في غير أهل الكتاب بعد ما خاسوا بعهدهم مع اللّه ونقضوا ذمة أبيهم إبراهيم وعرفوا الحق ولبسوه بالباطل وتخلوا عن الأمانة التي ناطها اللّه بهم وتركوا أحكام كتابهم وشريعة دينهم وكرهوا أن يتحاكموا إلى كتاب اللّه بينهم. وخلت قيادة البشرية من منهج اللّه وكتابه ورجاله المؤمنين .. عندئذ سلم القيادة ، وناط الأمانة ، بالأمة المسلمة. فضلا منه ومنة. «وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» ..
74 - «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ» .. عن سعة في فضله وعلم بمواضع رحمته .. «وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» .. وليس أعظم من فضله على أمة بالهدى ممثلا في كتاب. وبالخير ممثلا في رسالة .. وبالرحمة ممثلة في رسول.
فإذا سمع المسلمون هذا أحسوا مدى النعمة وقيمة المنة في اختيار اللّه لهم ، واختصاصه إياهم بهذا الفضل.
واستمسكوا به في إعزاز وحرص ، وأخذوه بقوة وعزم ، ودافعوا عنه في صرامة ويقين ، وتيقظوا لكيد
الكائدين وحقد الحاقدين. وهذا ما كان يربيهم به القرآن الكريم والذكر الحكيم. وهو ذاته مادة التربية والتوجيه للأمة المسلمة في كل جيل.